اسماعيل بن محمد القونوي

242

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 62 ] قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) قوله : ( لن يدركوكم فإن اللّه وعدكم الخلاص منهم ) لن يدركوكم أي لن يلحقوا بكم أو لن يهلكوكم والمعنى ارتدعوا عما يعرض لكم من الأوهام المردية فإنه تعالى وعدكم الخلاص منهم ومن شرورهم فمن أوفى بعهده من اللّه تعالى . قوله : ( بالحفظ والنصرة طريق النجاة منهم روي أن مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى فقال أين أمرت فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون قال أمرت بالبحر ) بالحفظ والنصرة أي معنى المعية كناية عن الحفظ أو مجاز عنه والظاهر أن المراد حفظ موسى عليه السّلام لأنه مطلوب فرعون وقومه فلذا خص بالذكر ولزم منه حفظ قومه لأنهم تابعون له محفوظون بواسطته وشرافته كما أنهم مطلوبون بسببه عليه السّلام ويحتمل أن يكون حفظ قومه كما قال أولا فإن اللّه وعدكم مع أنه تعالى وعده نقل عن بعض الفضلاء أنه قال قدم المعية هنا وأخرها في قوله إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التوبة : 40 ] نظرا للمقام لأن المخاطب هنا بنو إسرائيل وهم أغبياء يعرفون اللّه تعالى بعد النظر والسماع من موسى عليه السّلام والمخاطب ثمة الصديق وهو ممن يرى اللّه قبل كل شيء ولذا خص المعية هنا انتهى وأنت خبير بأن بني إسرائيل عارفون باللّه تعالى فلا معنى لقوله يعرفون اللّه تعالى بعد النظر والسماع الخ « 1 » نعم بين معرفتهم ومعرفة الصديق بون بعيد وفرق سديد وبعض الكملة بين وجهه بالفرق بين حبيب اللّه وبين كليم اللّه فإن تكلمه في مقام قاب قوسين أو أدنى وتكلمه موسى في طور سيناء وقيل قال معي دون معنا لأنه هو المتيقن لذلك بما أوحى إليهم وهم خائفون ولذلك قالوا : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [ الشعراء : 61 ] وهذا وجه الافراد وأما وجه تقديم معي هنا ووجه تأخير معنا هناك فمسكوت عنه في كلامه على أن قوله : ( هم خائفون ) إن أراد به أنهم غير متيقنين لذلك فبعيد لأنهم مؤمنون والخوف بحسب البشرية لا ينافي التيقن وقد قوله : قال أمرت بالبحر قال ابن جريج وغيره لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح يرمي بموج مثل الجبال فقال يوشع يا مكلم اللّه أين أمرت فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا قال موسى ههنا فخاض يوشع الماء وجاز البحر ما يواري حافر دابته الماء وقال الذي يكتم إيمانه يا مكلم اللّه أين أمرت قال ههنا فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقه ثم اقحمه البحر فارتسب في الماء وذهب القوم يصنعون مثل ذلك فلم يقدروه فجعل موسى لا يدري كيف يصنع فأوحى اللّه إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فإذا الرجل واقف على فرسه لم يبتل سرجه ولا لبده وروي أن موسى قال عند ذلك يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء فأوحى اللّه إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه ويقال هذا البحر هو بحر القلزم وقيل هو بحر من وراء مصر يقال له أساف .

--> ( 1 ) فإن هذا الكلام يوهم أنهم قبل النظر وقبل السماع من موسى عليه السّلام ليسوا بعارفين مع أنهم مؤمنون حينئذ .